ابن قاضي شهبة
173
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
محمد بن داود الطاهريّ ، في طريق ، فتقدم ابن سريج وتلاه المبرّد ، فلما خرجوا إلى القضاء ، قال ابن سريج : الفقه قدّمني . وقال ابن داود الأدب أخّرني . فقال المبرّد : أخطأتما معا ، إذا صحّت المودّة ، سقط التّكليف انتهى . ولعلّ ذلك وقع وسنّ ابن سريج نحو ثلاثين سنة . فإنه لما مات المبرّد ، كان عمره خمسا وثلاثين سنة . قال الحاكم : سمعت حسان بن محمد الفقيه يقول : كنا في مجلس ابن سريج سنة ثلاث وثلاثمائة ، فقام إليه شيخ من أهل العلم ، فقال : أبشر أيها القاضي : فإن اللّه يبعث على رأس كلّ مائة سنة ، من يجدّد يعني للأمّة أمر دينها . واللّه تعالى بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز ، وعلى رأس المائتين أبا عبد اللّه الشافعي ، وبعثك على رأس الثلاثمائة . ثم أنشأ يقول « 1 » : اثنان قد مضيا فبورك فيهما * عمر الخليفة ثم حلف السّؤدد الشافعيّ الألمعيّ محمد * إرث النّبوّة وابن عمّ محمّد أبشر أبا العبّاس إنك ثالث * من بعده سقيا لتربة أحمد فصاح أبو العباس بن سريج وبكى . وقال : لقد نعى إليّ نفسي . قال حسان : مات القاضي أبو العباس في تلك السنة . قلت : وكان على رأس الأربعمائة ، أبو حامد الأسفراييني ، وعلى رأس الخمسمائة الغزالي ، وعلى رأس الستمائة ، الحافظ عبد الغني ، وعلى رأس السبعمائة شيخنا ابن دقيق العيد . على أن بعض هؤلاء يخالفني فيهم خلق من العلماء ، والذي أعتقده في الحديث أن لفظ ( من يجدّد ) ، للجمع لا للفرد ، واللّه أعلم . وان أبو العباس على مذهب السلف في الصفات يؤمن بها ولا يؤولها ، ويميزها كما جاءت ، وهو صاحب مسألة الذود في الحلف بالطلاق ، وقد روى التّنوخي في ( نشواره ) « 2 » قال حدّثني القاضي أبو العنبري بالبصرة ، حدّثني أبو عبد الله شيخ من أصحاب ابن سريج ، كتبت عنه الحديث قال : قال لنا ابن سريج يوما : أحسب أن المنيّة قربت . قلنا : وكيف ؟ قال : رأيت البارحة كأن القيامة قد قامت ، والناس قد حشروا وكأن مناديا ينادي بصوت عظيم : بم أجبتم المرسلين ؟ فقلت :
--> ( 1 ) انظر : الذهبي : تاريخ الإسلام ، ص 177 ، ( ترجمة رقم 269 ) ، ابن النديم : الفهرست 299 ، 300 ، الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 4 / 287 - 290 والأبيات في تاريخ الإسلام للذهبي ص 177 . ( 2 ) التنوخي : نشوار المحاضرة 8 / 186 ، 187 .